مفكك الشفرات الأول.. كيف روّض الكندي عشوائية الحروف؟ في العصر الذهبي، حين كانت بغداد تزهو بعلمائها ومترجميها ومكتباتها العامرة، برز عالم موسوعي جمع بين الفلسفة والطب والرياضيات والفلك، وترك إسهاما لامعا في مجال علم فك الشفرات.

مفكك الشفرات الأول.. كيف روّض الكندي عشوائية الحروف؟

                  في العصر الذهبي، حين كانت بغداد تزهو بعلمائها ومترجميها ومكتباتها العامرة، برز عالم موسوعي جمع بين الفلسفة والطب والرياضيات والفلك، وترك إسهاما لامعا في مجال علم فك الشفرات.
ملخص الخبر:

لم يكتف الكندي بنقل حكمة القدماء عبر ترجمة النصوص اليونانية والفارسية القديمة، بل واجه تحديا خاصا تمثل في نصوص مشفرة غامضة، فانطلق في رحلة فكرية شاقة لاختراق هذا الحاجز، مؤسسا بذلك مبادئ ستغيّر عالم التشفير إلى الأبد.

إنه أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، الذي وُلد عام 801 ميلادية في الكوفة، وتلقى علومه الأولى فيها، ثم انتقل إلى عاصمة الخلافة العباسية، بغداد، ليكون واحدا من ألمع نجومها.

لم يكتف الكندي بنقل حكمة القدماء عبر ترجمة النصوص اليونانية والفارسية القديمة، بل واجه تحديا خاصا تمثل في نصوص مشفرة غامضة، فانطلق في رحلة فكرية شاقة لاختراق هذا الحاجز، مؤسسا بذلك مبادئ ستغيّر عالم التشفير إلى الأبد.

رسالة في استخراج المعاني.

في خضم انشغاله بفك رموز النصوص المشفرة التي صادفها خلال ترجماته، ألّف الكندي مخطوطته الثورية "رسالة في استخراج المعاني".

تُعد هذه الوثيقة التاريخية، التي نجت نسخة وحيدة منها عبر القرون لتُكتشف بمحض الصدفة في مكتبة السليمانية في إسطنبول، أول وثيقة معروفة في التاريخ تذكر وتصف منهجية منظمة لفك الشفرات تعتمد على التحليل الإحصائي للغة، وهي ما نعرفه اليوم بـ"تحليل الترددات".

لقد أدرك الكندي، بعبقرية فذة، أن الحروف في أي لغة طبيعية لا تظهر بشكل عشوائي، بل لها نمط إحصائي ثابت؛ فبعض الحروف يُستخدم بكثرة، بينما يقل استخدام أخرى.

وقد استنتج أن هذا النمط سينعكس بطريقة متوارية في النص المشفر.

منهج التحليل الإحصائي.

وصف الكندي في رسالته، بتفصيل منهجي مذهل، الخوارزميات الأساسية لفك التشفير، وقسّم الشفرات إلى أنواع رئيسية: أحادية الأبجدية ومتعددة الأبجدية.

كان جوهر منهجيته يكمن في ملاحظة أن حروف الأبجدية العربية تظهر في النصوص العادية بترددات متفاوتة ومعروفة.

تاريخ النشر: 03.11.2026 | 06:35 GMT