في كوريا الشمالية، لم تعد القرصنة الإلكترونية مجرد نشاط إجرامي يستهدف سرقة الأموال، بل أصبحت إحدى الأدوات التي تعتمد عليها الدولة للحصول على العملات الأجنبية، وتعويض عزلتها الاقتصادية، وتمويل برامجها العسكرية والنووية.وقد أعاد الاختراق الضخم لمنصة "بينانس" في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أكبر بورصة للعملات المشفرة في العالم، تسليط الضوء على حجم هذه القدرة، وعلى المخاطر التي باتت تواجه قطاعا ماليا رقميا لا تزال أنظمته الأمنية تفتقر إلى مستوى الحماية الأمنية المعمول بها في المصارف التقليدية.قصص مقترحة list of 2 itemslist 1 of 219 مقعدا تضع العرب في قلب معادلة الحكم..
غولان يدعو المعارضة إلى الشراكةlist 2 of 2العالم على مقاس ماسك..
هل يريد إنقاذ البشرية أم إعادة تشكيلها وفق رؤيته؟end of listووفق تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز"، تعرضت "بينانس" لعملية سرقة قُدرت قيمتها بـ6.3 مليارات دولار، في واحدة من أكبر عمليات الاختراق المسجلة في تاريخ العملات المشفرة.وقالت المنصة إن حاسوبا محمولا يعود إلى أحد مهندسيها تعرض للاختراق، قبل أن تكشف التحقيقات عن وجود نقاط اختراق إضافية، في مؤشر إلى أن العملية كانت أكثر تعقيدا مما بدا في البداية.تشانغ بينغ تشاو، أحد مؤسسي منصة بينانس (رويترز)تورط قراصنة من كوريا الشماليةولم تعتمد العملية، بحسب الصحيفة، على الاستيلاء المباشر على المفاتيح الخاصة التي تتيح الوصول إلى محافظ العملات المشفرة، بل استخدم المهاجمون أساليب معقدة مكّنتهم من اختراق أنظمة المنصة، مع اللجوء إلى أدوات قادرة على تدمير نفسها ومحو آثارها.ووصف الرئيس التنفيذي المشارك لـ"بينانس"، ريتشارد تنغ، الهجوم بأنه معقد، فيما سارعت الشركة إلى تعليق عمليات السحب والعمل مع جهات إنفاذ القانون، متعهدة بتعويض العملاء المتضررين.وربطت شركة "تي آر إم لابس" المتخصصة في تحليل معاملات العملات المشفرة الهجوم بمجموعة "تريدر تريتور"، وهي وحدة قرصنة كورية شمالية تربطها تقارير أمنية بالمجموعات المعروفة باسم "لازاروس".كما أشارت تحليلات شركات متخصصة أخرى، بينها "تشيناليسيس"، إلى تورط قراصنة من كوريا الشمالية، وإن كانت تفاصيل العملية ونسبتها النهائية لا تزال موضع تحقيق.
إعلان ويكتسب هذا التحفظ أهمية، لأن تحديد الجهة المسؤولة عن هجوم إلكتروني واسع النطاق يعتمد غالبا على تجميع مؤشرات تقنية واستخباراتية، وليس على دليل منفرد يحسم المسؤولية.الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون خلال المؤتمر التاسع لحزب العمال في بيونغ يانغ (الفرنسية)بداية عصر محفوف بالمخاطرومن جهتها، ترى صحيفة "نيويورك تايمز"، في تحليل بعنوان "اختراق بينانس بقيمة 6.3 مليارات دولار ليس سوى بداية عصر جديد محفوف بالمخاطر"، ترى أن القضية تتجاوز خسارة منصة واحدة، لتكشف عن مرحلة أكثر خطورة في تطور الجرائم السيبرانية.فقد أظهرت عملية تتبع الأموال المسروقة أن المهاجمين استخدموا آلاف المعاملات خلال فترة زمنية قصيرة، في نمط يرجح الاعتماد على الأتمتة لإخفاء مسار الأموال وتعقيد مهمة تعقبها.وتشير الصحيفة إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تمنح القراصنة قدرة أكبر على اكتشاف الثغرات الأمنية واستغلالها، وتسريع عمليات غسل الأموال الرقمية.ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل، إيسوار براساد، أن هذه التقنيات يمكن أن تضاعف قدرة المهاجمين على العثور على نقاط الضعف الدقيقة في الأنظمة الإلكترونية.
غير أن المدير التقني لشركة "أبوندانت سيكيوريتي" جوشوا ساكس، يلفت إلى أن كوريا الشمالية تمتلك بالفعل مجموعات قرصنة متطورة قبل ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي، وأن التطور الجديد قد يجعل القدرات الهجومية المتقدمة متاحة أيضا لجهات أخرى.قطاع العملات المشفرة يوفر للقراصنة فرصة أكبر من المصارف التقليدية، التي استثمرت مبالغ ضخمة في أنظمة الحماية (غيتي)اعتماد متزايد على القرصنةوتقدم صحيفة "غارديان"، في تحليل أعده دان ساباغ، محرر شؤون الدفاع والأمن، خلفية أوسع عن اعتماد كوريا الشمالية المتزايد على القرصنة لتوليد الإيرادات.فالدولة التي تعاني عزلة دولية واسعة وقيودا شديدة على التجارة والتمويل، وجدت في العملات المشفرة مجالا يمكنها من خلاله الحصول على أموال يصعب إخضاعها للرقابة التقليدية.وتقول الصحيفة إن عمليات السرقة الإلكترونية أصبحت جزءا من إستراتيجية أوسع لتوفير العملات الأجنبية التي تحتاج إليها بيونغ يانغ، بما في ذلك تمويل برامجها العسكرية والنووية.وتعود هذه الإستراتيجية إلى سنوات، إذ وثقت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، في ربيع عام 2024، أنها كانت تراجع 58 هجوما إلكترونيا مشتبها في ضلوع كوريا الشمالية فيها، استهدفت شركات مرتبطة بالعملات المشفرة خلال الفترة بين 2017 و2023، وقدرت قيمتها بنحو 3 مليارات دولار.كما أشارت تقديرات أممية إلى أن سرقة العملات المشفرة توفر قرابة نصف دخل كوريا الشمالية من العملات الأجنبية.
وقدرت دولة لم يُكشف عن اسمها أن الأموال المسروقة أسهمت في تمويل نحو 40% من برامج أسلحة الدمار الشامل في البلاد.ولا تقتصر هذه الأنشطة على الهجمات على منصات العملات المشفرة.
ففي عام 2016، حاول قراصنة كوريون شماليون تحويل 951 مليون دولار من حساب تابع لبنك بنغلاديش لدى الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، وتمكنوا من الاستيلاء على 81 مليون دولار قبل وقف معظم التحويلات.
إعلان كما استهدفت عمليات أخرى مؤسسات مالية وأجهزة صراف آلي، فيما أحبط مسؤولون بريطانيون عام 2019 محاولة للسيطرة على أجهزة صراف آلي مرتبطة بـ56 مؤسسة مالية.أسهل للقراصنة من المصارف التقليديةويرى الرئيس السابق للمركز الوطني للأمن السيبراني في بريطانيا كياران مارتن، أن قطاع العملات المشفرة يوفر للقراصنة فرصة أكبر من المصارف التقليدية، التي استثمرت مبالغ ضخمة في أنظمة الحماية.
فالشركات الناشئة والمنصات الرقمية نمت بسرعة، لكن ضوابطها الأمنية والتنظيمية لم تواكب دائما هذا التوسع.ويشير مارتن إلى أن القطاع شهد أكثر من 30 عملية اختراق تكبدت فيها الشركات خسائر بلغت في كل منها مئات الملايين أو مليارات الدولارات، في حين أن سرقة أكثر من 100 مليون دولار من بنك تقليدي عبر هجوم إلكتروني ظلت حالة نادرة للغاية خلال العقد نفسه.وتوضح "غارديان" أن كوريا الشمالية بنت قدراتها في هذا المجال من خلال الاستثمار في تعليم الرياضيات والعلوم، وانتقاء الطلاب المتفوقين في الجامعات وتجنيد بعضهم للعمل ضمن وحدات متخصصة، بينها مجموعات مرتبطة بمكتب الاستطلاع العام، جهاز الاستخبارات الرئيسي في البلاد.وفي الوقت الذي يظل فيه الوصول إلى الإنترنت محدودا للغاية بالنسبة إلى غالبية السكان، يحصل هؤلاء المتخصصون على فرص للعمل في بيئة تقنية متقدمة، مستفيدين من دعم الدولة وحمايتها.وبرز اسم مجموعة "لازاروس" دوليا إثر الهجوم الإلكتروني على شركة "سوني بيكتشرز" عام 2014، الذي ارتبط بإنتاج فيلم "ذا إنترفيو"، وهو عمل كوميدي يصور محاولة اغتيال الزعيم كيم جونغ أون.
لكن نشاطها تطور لاحقا من الهجمات ذات الدوافع السياسية إلى عمليات تستهدف تحقيق عائدات مالية ضخمة.ويشير هذا التحول إلى أن القدرات السيبرانية الكورية الشمالية لم تعد مجرد أداة للانتقام أو التجسس، بل أصبحت وسيلة منتظمة للحصول على موارد مالية من الخارج.
تاريخ النشر: Published On 31/10/202631/10/2026