بين صورة اختزلتها الدراما السورية في اللهجة واللباس والشخصية الساخرة، وواقع اجتماعي أوسع وأكثر تعقيدا، يبرز ملف العشائر بوصفه أحد مفاتيح فهم المجتمع السوري، وعلاقته بالدولة والهوية الوطنية والتحولات السياسية، بما يتجاوز التنميط والاختزال الشائعين في تناول هذا المكون.وفي حلقة من برنامج "ملفات" الذي تنتجه منصة سوريا الآن (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط)، ناقش الباحث في التاريخ الاجتماعي السوري مهند الكاطع جذور التكوينات العشائرية وأدوارها، وفكك الصور النمطية المحيطة بها، متوقفا عند علاقتها بالسلطة والثورة ومستقبل الدولة.قصص مقترحة list of 4 itemslist 1 of 4تعرف على ثورة العشائر العربية في سوريا كما يرويها أبناؤهاlist 2 of 4العشائر السورية: التنوع مصدر قوة ونرفض "الأجندات الانفصالية"list 3 of 4عشائر بدو سوريا..
جذور عميقة في التاريخ وامتداد في الجغرافياlist 4 of 4ملامح سوريا الجديدة..
كيف تُدار المرحلة الانتقالية بين ركام الحرب وهواجس الاستقرار؟end of listويؤكد الكاطع أن الانتماء العشائري ليس نقيضا للمواطنة، ولا يعني بالضرورة عصبية سياسية أو طاعة عمياء لشيخ القبيلة؛ فهو في الأساس، امتداد اجتماعي وثقافي يتعايش مع مؤسسات الدولة الحديثة والهوية الوطنية الجامعة، ولا ينتقص من حضورها في المجال العام.ولفهم هذا المكون، يوضح الباحث أن البنية القبلية تتدرج من جماجم كبرى إلى بطون وقبائل، ثم عشائر وأفخاذ وعائلات وأسر، بما يكشف تعدد مستويات الانتماء، ويمنع الخلط بين المصطلحات المتداولة في وصف هذه البنية الاجتماعية.أما مصطلح "الشوايا"، فيربطه الكاطع بنمط اقتصادي ومعيشي ارتبط بتربية الأغنام والاستقرار الزراعي، في مقابل رعاة الإبل والبدو الرحل؛ مشيرا إلى أن التسمية ليست اسما جامعا تستخدمه العشائر بالضرورة لتعريف نفسها أو هويتها المحلية في الاستخدام اليومي.ولا يقتصر التكوين العشائري على العرب أو طائفة بعينها، وفق الكاطع؛ إذ توجد امتداداته بين الأكراد والعلويين والدروز والمسيحيين والشيشان والآشوريين، كما نشأت أحلاف قبلية ضمت جماعات مختلفة النسب بفعل الجغرافيا والمصالح المشتركة في مناطق البلاد.وفي الحياة اليومية، لا تلغي العشيرة دور الدولة؛ إذ يلجأ الأفراد إلى المؤسسات القانونية، بينما تسهم الأعراف في تسوية نزاعات وصلح اجتماعي، خصوصا عند غياب مؤسسات الدولة أو ضعفها، لتؤدي دورا في حفظ السلم الأهلي المحلي.
العشائر والسلطةتعود علاقة العشائر بالسلطة المركزية إلى قرون، حين اعتمدت الدولة العثمانية على زعماء القبائل لتأمين طرق البريد والقوافل في المناطق البعيدة عن مراكزها، مقابل أموال وامتيازات، ضمن ترتيبات عكست توازن المصالح والنفوذ على أطراف الإمبراطورية العثمانية.وفي عام 1691، بدأت سياسة عثمانية لتوطين العشائر، استهدفت الحد من تحركات القبائل الوافدة من نجد وحماية المزروعات، إلى جانب تشجيع الزراعة في الجزيرة الفراتية وحوض الفرات، عبر منح الأراضي وتحويل الرعاة إلى مستقرين وتعزيز الاستقرار المحلي.لكن الاستقرار الزراعي ظل محدودا بفعل ضعف الأدوات والمكننة، وبقاء النفوذ القبلي، قبل أن تتوسع زراعة الأراضي خلال الانتداب الفرنسي؛ إذ تعاملت الإدارة الجديدة مع شيوخ القبائل بوصفهم ملاكا كبارا، وشجعتهم على استثمار مساحات واسعة.وكان الفرنسيون قد درسوا التركيبة الإثنية والعشائرية قبل وصولهم، ثم وظفوا التوازنات المحلية في إدارة مناطق نفوذهم، مستعينين بزعماء قبائل في صراعاتهم مع قوى أخرى، بينما سعت بريطانيا وتركيا بدورهما إلى التأثير في تلك التحالفات العابرة للحدود.ويرى الكاطع أن علاقة العشائر بالقوى المتعاقبة حكمتها البراغماتية أكثر من الولاء الثابت؛ فالشيخ كان يوازن بين مصالح جماعته والسلطة القائمة، وقد تتغير اصطفافاته تبعا للظروف، وهو ما انعكس أيضا على ترسيم الحدود ومناطق النفوذ.وبعد الاستقلال، تراجعت الأدوار السياسية والاقتصادية التقليدية لشيوخ العشائر مع إلغاء امتيازات قانون شؤون البدو والإصلاح الزراعي والتأميم، غير أن توزيع الأراضي في مناطق الجزيرة والفرات جرى أحيانا داخل العشائر، ولم يقطع صلاتها بالمجتمع المحلي.وخلال حكم البعث، اتخذت السلطة من ثنائية المالك والفلاح مدخلا لتشويه صورة شيوخ العشائر، كما أخضعت بعضهم لسياسات أمنية قائمة على الاستقطاب والامتيازات المحدودة، فقلصت استقلالهم وحولت أدوارا منهم إلى وساطات لدى مؤسسات الدولة الرسمية.
الدراما والهويةوعلى المستوى الثقافي، حمّل الكاطع الدراما السورية مسؤولية ترسيخ صورة مشوهة للعشائر، عبر شخصيات هزلية ولهجات موضع سخرية وملابس اختُزلت في الجهل والتخلف؛ ورأى أن تكرارها غذّى ازدراء أبناء المدن للأرياف، بما عمّق الفجوة بين مكونات المجتمع السوري.أما الثورة السورية، فلم تحرك العشائر بوصفها كتلة واحدة؛ فقد تباينت مواقف الأفراد والعائلات بين النظام والمعارضة وقسد، ولم يكن قرار الشيخ ملزما، كما حجبت مواقف بعض الشخصيات المؤثرة هذا التنوع داخل القبيلة، ويؤكد استقلال خيارات أبنائها السياسية.ومع تراجع سلطة الشيخ، برز وجهاء محليون وأفراد يمتلكون المال والعلاقات والقدرة على الوساطة والخدمة، وأصبح تأثيرهم أحيانا أوسع من تأثير المشيخة التقليدية؛ فيما بقيت رمزية البيوتات العشائرية عاملا من عوامل الاعتزاز والانتماء الاجتماعي داخل المجتمع السوري.وفي ملف النفط، يربط الكاطع بين اتساع الوعي بثروات الجزيرة السورية والمطالبة بالتنمية، إذ تعاني مناطق غنية بالموارد نقص الطرق والمياه وتلوث البيئة وضعف الخدمات الصحية والتعليمية؛ بينما استفادت شخصيات وفصائل من عائدات الحقول دون أن ينعكس ذلك على السكان.ويحذر من أن النزوح والتهجير وتدهور الخدمات أفرغت قرى وأخلت بالتوازن بين الريف والمدن، وأنتجت حساسيات مناطقية وعشائرية؛ داعيا إلى تنمية متوازنة وإعادة تأهيل الأطراف، بما يتيح عودة السكان ويخفف الضغط عن المدن الكبرى على المدى البعيد.ويؤكد الكاطع أن العشيرة تسهم في التكافل والصلح والإغاثة، ويرفض تعميم اتهامها بحماية المجرمين؛ لكنه يشدد على أن المرجعية النهائية للقانون، وأن حضور الدولة يحول دون تفاقم النزاعات وتحول الأعراف إلى بديل عن العدالة والاحتكام إلى المؤسسات الرسمية.ويرى أن مستقبل العلاقة يقتضي الاعتراف بالعشائر مكونا اجتماعيا وثقافيا، وإتاحة دور منظم لها في السلم الأهلي ضمن إطار قانوني أو مجلس ممثل، مع اختيار مسؤولي الدولة على أساس الكفاءة، وتوجيه التنمية للمناطق المهمشة بعيدا عن المحاصصة وتدجين الشيوخ.
تاريخ النشر: Published On 30/10/202630/10/2026