طفل ثلاجة الشهداء.. 3 ناجين من مجزرتين يؤسسون عائلة واحدة بغزة

ملخص الخبر:

فقد صدع القصف جمجمته، واقتطعت شظايا الصواريخ الإسرائيلية الغطاء الخارجي لأذنه كاملا، وهشمت عظام ساقه في الحوض والركبة وما دونها.ونجا الصغير، وبقيت في جسده آثار تلك الليلة، إذ خلفت الكسور قصرا في رجله ما زال يلازم خطاه، بينما أجرى له وفد طبي إيطالي،...

غزة- مد محمد الدعالسة يديه إلى ابن أخيه في ثلاجة الشهداء بمستشفى الشفاء، يريد أن يكفّنه ويودعه الثرى، وقد بات الصغير ليلته كلها مسجى في صقيع البراد بين جثامين أهله، فإذا الجسد الضئيل يتحرك بين يديه ويتنفس، والروح التي ظنها الجميع قد فاضت تتعلق بأهداب الحياة.ضمّ العم الطفل إلى صدره، وانطلق يعدو به عبر ردهات المستشفى نحو العناية المركزة، منصرفا عن كل ما حوله، فلم يبق في وجدانه، كما يروي، سوى هذا الصغير العائد من تخوم الموت.قصص مقترحة list of 2 itemslist 1 of 2هكذا توظّف الصين ملفي كوبا وفلسطين في مواجهة النفوذ الأمريكيlist 2 of 2الضفة..

اعتقال 13 فلسطينيا وهدم منزلين و5 آلاف مهجر ومحاصر بالخليلend of listوكان الدعالسة (41 عاما) قد نجا من المجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق عائلته في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قتل فيها 32 فردا من أسرته وخرج منها وحيدا، بعدما فقد ابنه الوحيد وزوجته الحامل بـ3 أجنة.العم محمد يرعى محمد ابن أخيه والذي سمي باسمه وكان الناجي الوحيد من عائلته (الجزيرة)ليلة الفقداليوم، يعيش محمد في خيمة نزوح بغزة، وقد اقترن قبل 10 أشهر بنهى أبو شحمة، الناجية من مجزرة قتلت فيها عائلتها يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل ساعات من المجزرة التي أودت بعائلة زوجها، ويعيلان اليوم ناجيا وحيدا.تتعلق أبصار الثلاثة في الخيمة بعضهم ببعض، يرقب كل منهم صاحبه بعين وجلة، ويتخاطبون بالنظرات خشية فقد جديد، فيما يشب الصغير، وقد أتم عامه السادس، بين عم صار له الأهل جميعا، وامرأة يناديها ماما.يستعيد محمد -للجزيرة نت- اللحظات الأخيرة قبل استهداف منزلهم، حين كانت العائلة مجتمعة في ليلة اشتد فيها القصف الإسرائيلي على المخيم، فالتفتت إليه زوجته تسأله إن كان سيتزوج من بعدها إذا استشهدت، فأجابها دون تردد "تحرم علي نساء الأرض جميعا من بعدك" فرفضت وفاءه واستحلفته أن يتزوج، وقالت "أمانة في عنقك، وإن لم تفعل فلن أسامحك أبدا".وبعد لحظات من وصيتها، دك الاحتلال المنزل على رؤوس ساكنيه، فاستشهدت الزوجة وفي أحشائها أجنتها الثلاثة الذين حملت بهم عبر الأنابيب، وهي الطريقة ذاتها التي أنجبا بها من قبلُ ابنهما الوحيد حسن (7 أعوام) الذي لحق بأمه هو الآخر، واستشهد معهما والدا محمد وإخوته وأخواته وزوجات إخوته وأبناؤهم، وحماته، ووالدا الصغير محمد: المعتصم بالله وزوجته نور الدعالسة.

إعلان من ثلاجة الموتىأفاق محمد في المستشفى مصابا بشظايا في رأسه وظهره وقدمه، فأخبره الجميع باستشهاد عائلته كلها، ومضى يودع شهداءه واحدا تلو الآخر، حتى بلغ ابن أخيه في ثلاجة الشهداء، ويقول عن اللحظة التي تحرك فيها الصغير بين يديه، وقد عادت الرجفة وهو يرويها "حينها نسيت كل من استشهدوا، ولم أعد أعرف سوى أنه قد يكون حيا".بلغ محمد، ابن السنوات الثلاث، العناية المركزة وجسده الغض مثخن بالجراح من رأسه حتى قدميه.

فقد صدع القصف جمجمته، واقتطعت شظايا الصواريخ الإسرائيلية الغطاء الخارجي لأذنه كاملا، وهشمت عظام ساقه في الحوض والركبة وما دونها.ونجا الصغير، وبقيت في جسده آثار تلك الليلة، إذ خلفت الكسور قصرا في رجله ما زال يلازم خطاه، بينما أجرى له وفد طبي إيطالي، زار غزة، عملية جراحية زرع فيها أذنا كاملة.

وبعد أسابيع، خرج من العناية المركزة إلى كنف عمه الذي تولى رعايته وحده، فكان له أبا وأما وعائلة في آن واحد، ويصفه بأنه "حياتي وروحي" ثم يمد يده إلى رأس الصغير الجالس إلى جواره، ويقول "كنت أنظفه بيديّ، وأغسل ملابسه".ويحمل الصغير اسم عمه منذ ليلة مولده، حين رأى والداه في منامهما ابنهما الوليد مجتمعا بعمه في مكان واحد، وسمعا من يوصيهما بتسميته محمدا، فعدلا عن اسم حسن الذي اختاراه له، وسمّياه على اسم عمه، ثم رحل الوالدان، وبقي العم وابن أخيه معا تحت سقف واحد.محمد الدعالسة الذي فقد والديه وعائلته يراجع دروسه مع عمه وزوجته داخل خيمة نزوح في غزة (الجزيرة)منزلة الحب والاختيارظل الطفل يحظى بمنزلة خاصة في قلب عمه، الذي يقول، وعيناه معلقتان به "أحببته حبا شديدا، وحبه في قلبي يختلف عن حب أبناء إخوتي وأخواتي جميعا، وطوال عمري أعده ابنا من أبنائي".

ويستعيد اجتماعات العائلة حين كان الأطفال يتحلقون حوله، ويتخذ الصغير وحده مكانه في حضنه.وقد بلغ الصغير اليوم السادسة، فقارب السن التي استشهد فيها حسن (ابن محمد) وصار العم يرى ابنه في ابن أخيه، في حركاته ونبرة صوته وحتى عصبيته، ويقول بصوت منخفض "أشعر أنني أعيش مع ابني حسن".واختار الصغير لعمه شريكة حياته قبل أن يختارها العم نفسه.

ففي مخيم النزوح، حيث سكنت نهى أبو شحمة المربع ذاته حاملة فقدا يشبه فقده، كانت تحتضن الطفل كلما غاب عمه في قضاء شؤونه، وتقوم على حاجاته بحنو الأم، حتى ألفها الصغير وتعلق بها، وشدت بحنانها قلب العم إليها، ويقول محمد، وقد علت وجهه ابتسامة خجولة للمرة الأولى في حديثه "الولد هو من اختارها لي، وهو اليوم يناديها ماما".يتقاسمان الوجعوبزواجه من نهى، أوفى محمد بالأمانة التي استحلفته بها زوجته الشهيدة في ليلتها الأخيرة، وإن كان الوفاء شاقا على قلبه، فقد استقبل حياته الجديدة بالدموع، يبكي كل يوم وكل ثانية، حتى روّضت الأيام حزنه وهوّنت عليه البدايات.وما خفف عنه أن الوجع الذي يحمله يسكن قلب زوجته أيضا، فإذا غلبهما البكاء، فهم كل منهما صاحبه وشعر بوجعه، وتختصر نهى ذلك بعبارة واحدة "أنا ومحمد نفهم دموع بعضنا" وهي تدرك أنهما عاجزان عن طي صفحة الماضي، فتجلس إليه كلما استبد بهما الحنين، يستعيدان معا ملامح أسرتين وحياة عاشاها قبل الحرب، ولذلك يسميها شريكة الألم والحزن والنجاة.

إعلان وتحتل نهى في حياة الصغير مكان الأم، فقد وجد في حضنها ما افتقده، وهي تبادله حبا بدأ قبل زواجها بعمه بأشهر، فتخاف عليه خوف من ذاق الفقد مرة، ويخشى أن يتجرعه ثانية، وتقول عن الطفل بصوت حنون "أرى في محمد ابنا لي، وأحب رعايته كثيرا، فهو كل حياتي اليوم".أسرة جديدة لناجين من تحت الركام تتشكل في غزة (الجزيرة)تصبير النفسيفتح محمد هاتفه أمامنا بلهفة، ويمضي بنا من صورة إلى أخرى، يشير إلى كل وجه ويسمي صاحبه وصلته به، فتلوح على وجهه فرحة من عثر على أحبته من جديد، ثم تخالطها غصة كلما مر على وجه زوجته أو ابنه حسن، فيتوقف طويلا ويتهدج صوته، ثم يمضي إلى الصورة التالية.ولم تكن هذه الصور في حوزته طوال الأشهر التي أعقبت المجزرة، فقد خسر يومها ذاكرة عائلته كلها، إذ ضاع هاتفه الشخصي تحت الركام بما حمله من صور ومقاطع لأهله وأسرته، وبقي زمنا يستحضر وجوههم من ذاكرته وحدها، حتى قادته المصادفة إلى هاتف محترق، فاستخرج منه صورا ومقاطع فيديو أعادت إليه ما ظن أنه فقده إلى الأبد.ويقول إن هذه الصور صارت أثمن ما يملك، ويتصفحها كل ليلة، فيبكي بحرقة كلما مر على وجوه أحبته.

وفي الذكرى الثالثة للمجزرة، يرص محمد ونهى على باب الخيمة أكياس البسكويت والحلوى إلى جانب 50 ربطة خبز، ثم يطوفان بها على خيام النازحين يوزعانها صدقة عن أرواح من غدوا شهداء، ويعودان إلى خيمتهما.فيما يحمل محمد الصغير ذاكرة العائلة على طريقته، فيستذكر الأكلات التي كانت تجمع أهله حول مائدة واحدة، ويلتفت إلى عمه قائلا "يا بابا، كان المفروض أن نكون كلنا هنا، نجتمع على هذه الأكلات كما كنا".

تاريخ النشر: Published On 29/10/202629/10/2026