مع إشراقة أول أيام الخريف من كل عام، تزدحم طرق حقول الزيتون بحركة المزارعين، مع بداية موسم جني المحصول الذي يمثل عصب الحياة لآلاف الأسر السورية، ورمزا للهوية الزراعية المحلية.وبحسب العديد من المزارعين، فإن موسم هذا العام يحمل بشائر خير وفيرة، إذ تُقدّر وزارة الزراعة السورية كميات الإنتاج الأولي المتوقعة بنحو 955 ألف طن من الثمار، يجري جنيها من نحو 90.7 مليون شجرة مثمرة تُغطي مساحة شاسعة تصل إلى 678 ألف هكتار.قصص مقترحة list of 2 itemslist 1 of 2سوريا تُخلي سبيل 57 موقوفا نُقلوا من لبنان بموجب اتفاقية المحكومينlist 2 of 2بين الردع والضغط الأمني..
ماذا تريد إسرائيل من توغلاتها في سوريا؟end of listوقد أسهمت الأمطار الخريفية النافعة ورطوبة التربة الممتازة في تغذية الثمار وزيادة نسب تكثف الزيت داخلها، ما منح مزارعي الزيتون أملا بموسم وفير بعد طول انتظار.تنوع جغرافي فريدوبينما تتجه كميات تقارب نحو 20% من إجمالي الإنتاج لزيتون المائدة، يُعصر نحو 80% منه لإنتاج أكثر من 190 ألف طن من الزيت الصافي، حسب إحصائيات مكتب الزيتون في وزارة الزراعة السورية.وتختلف الأصناف بخصائصها ونسب الزيت حسب مناطق الانتشار، حيث تشتهر إدلب والمناطق الوسطى بالزيتون "الصوراني"، الذي يُعدّ من أجود الأصناف مزدوجة الغرض، إذ تتراوح نسبة الزيت فيه بين 25% و30% ويتميز بنكهته القوية.بينما تنتشر أنواع "الزيتي والقيسي" في المناطق الشمالية، وتتصدر حلب المساحات المزروعة بنحو 190.4 ألف هكتار، حيث يتربع الصنف "الزيتي" على عرش الأصناف الأكثر إنتاجا للزيت بنسبة استخلاص قياسية تتراوح بين 30% و32%، بينما يُفضل "القيسي" للمائدة.في المقابل، يشتهر الساحل السوري ومناطق غرب حمص بزراعة نوعي "الخضيري والدعيبلي"، وتتوزع في طرطوس (75.6 ألف هكتار) وحمص (96 ألف هكتار)، وتتراوح نسبة الزيت في "الخضيري" بين 22% و26% وفي "الدعيبلي" بين 20% و24%، بزيوت خفيفة مرغوبة.أما الجنوب السوري، فيشتهر بنوعي "الدان والجلط"، وهما من الأصناف المرغوبة للمائدة، نظرا لكبر حجم الحبة وملمسها وطبيعتها الهشة.أصوات المزارعين وتجاربهموبين البساتين والمعاصر، تُعدّ هذه الأيام من السنة الأكثر ضغطا في العمل على المزارعين، بين متابعة قطاف الزيتون وفرزه وصولا إلى المعاصر و"طوابير الانتظار التي قد تمتد لساعات طويلة وأحيانا لأيام" وأخيرا إلى التخزين الجيد، بحسب أبي أحمد، أحد مزارعي الزيتون في ريف درعا.
إعلان ويضيف المزارع لـ "سوريا الآن"، أن موسم هذا العام يدعو للابتهاج، فـ "الأشجار شبعت من مياه الأمطار والمحصول مشجع جدا".
وبالنسبة لأبي أحمد، يظل صنف "الجلط" هو الخيار الأول بلا منازع، فهو يتحمل الظروف الجوية، ومرغوب جدا في الأسواق للبيع كزيتون مائدة.ولضمان الحصول على زيت زيتون بكر ممتاز والحفاظ على خصائصه الغذائية لأطول فترة، يوضح نفس المزارع أن العامل الرئيسي هو عصر الثمار خلال 24 إلى 48 ساعة كحد أقصى من جنيها لـ "تجنب التخمر وارتفاع نسبة الحموضة".ويشدد المزارع على أهمية العصر البارد بحيث تكون "درجة حرارة العجن في المعصرة نحو 25 درجة مئوية"، وذلك "للحفاظ على مضادات الأكسدة والفيتامينات والنكهة العطرية".ويوصي المزارع أخيرا بحفظ الزيت في "عبوات زجاجية معتمة أو صفيح مخصص للغذاء، ووضعه في مكان بارد ومظلم بعيدا عن الضوء والحرارة والهواء".التكاليف والآفاتورغم المظاهر الاحتفالية وبشائر الإنتاج الوفير، لا يخلو الموسم من تحديات معيشية واقتصادية متزايدة تُثقل كاهل الفلاحين والأهالي على حد سواء.حيث يواجه المزارعون ارتفاعا حادا في تكاليف مستلزمات الإنتاج ومكافحة الآفات الموسمية.ويوضح المزارع مطيع طلاع لـ "سوريا الآن" حجم هذه الأعباء بأن "التكاليف مرتفعة للغاية، ولا سيما عند انتشار الآفات الموسمية مثل آفة المنّ التي اضطررنا لرش حقولنا ضدها نحو أربع مرات هذا العام، ورغم ذلك تضرر المحصول في مرحلة الإزهار ولم نستفد شيئا".أسعار الزيت هذا العام شهدت انخفاضاً مشجعاً مقارنة بالعام الماضي (سوريا الآن)أسواق الزيت والتصديروفي أروقة المعاصر وتجارة الزيتون، تتحدد الأسعار بناء على درجة الجودة ونسبة الحموضة (الأسيد)، وفي هذا الصدد، يشرح مصطفى أمشيمش، صاحب شركة للاستيراد والتصدير وعصر الزيتون، لـ "سوريا الآن" تصنيفات الزيت في السوق قائلا: "ينقسم زيت الزيتون إلى عدة مستويات، أولها الصنف الممتاز الذي تكون نسبة حموضته 0.8% فما دون" وهذا يعتبر الأعلى سعرا.وعن حركة التصدير والأسواق الخارجية، يلفت أمشيمش إلى منافسة شديدة تؤثر على حركة البيع، حيث "تتوافر خيارات أرخص في الأسواق الخارجية كالتونسي الذي يقل سعره عن السوري، إذ تتجه الشركات الأجنبية في أسواق بلدان الخليج وغيرها إليه" وهو ما يقلص فرص انتشار الزيت السوري رغم وجود طلب عليه.ومن الناحية الفنية والتقنية، يعزو المهندس الزراعي ماهر قريطوي لـ "سوريا الآن" تراجع نسبة استخلاص الزيت ("القاطعية") في بعض المناطق هذا الموسم إلى تقلبات الطقس الصيفي، وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة الشديدة التي لم تكن مثالية لأشجار الزيتون.وحول معايير جودة الزيت ونسبة الأسيد فيه، يوضح المهندس الزراعي ماهر قريطوي "تتدرج نسبة الأسيد من درجة 1 إلى 15، وفي مناطق مثل إدلب يُصنف الزيت كنوع أول عالميا إذا كانت نسبة الحموضة بين 1 و20 (درجة أسيد 0.1% إلى 2%)، بينما يُعدّ نوعا ثانيا إذا تجاوزت ذلك، وصولا إلى نسبة فوق 40 (أكثر من 4% أسيد) حيث يصبح زيتا صناعيا غير صالح للاستهلاك البشري المباشر".تراجع نسبة استخلاص الزيت في بعض المناطق هذا الموسم إلى تقلبات الطقس الصيفي (سوريا الآن)"شتوة الزيتون"في المقابل، أوضح عبادة بجبوج، أحد المزارعين في مدينة درعا، في حديث مع "سوريا الآن"، أن المزارعين معتادون سنويا على انتظار "شتوة الزيتون"، وهو أول هطول مطري قبل البدء بالقطاف، حيث يستفيد المزارعون من المطر لـ "تغسيل الأشجار وبالتالي تنظيف حبة الزيتون أولا من الأتربة والغبار العالق بها طوال الصيف".
إعلان وعما إذا كانت هناك أسباب علمية حقيقية خلف هذه العادة، أجاب المزارع: "في الحقيقة لا أعرف إن كان هناك تفسير علمي دقيق، لكنها عادات وتقاليد توارثتها الأجيال، تعلمتها من والدي الذي تعلمها بدوره عن جدي، وأثبتت نجاحها معنا دائما".وفي تفسير علمي لـ "شتوة الزيتون" يوضح المهندس الزراعي مصطفى الصيص، في إجابته لـ "سوريا الآن"، أن الأمطار الأولى تعمل كـ "غسيل طبيعي" للثمار والأوراق من الأتربة المتراكمة طوال الصيف، ما يقلل الغبار الذي يدخل المعاصر ويمنح الزيت نكهة أنقى خالية من الطعم "الترابي".يتجاوز موسم الزيتون في القرى والبلدات كونه مجرد نشاط زراعي أو مصدر للدخل، ليتحول إلى كرنفال مجتمعي سنوي (سوريا الآن)ويوضح المهندس الصيص أن "الشتوة الأولى تساعد الشجرة على امتصاص الماء، فيرتفع المستوى المائي داخل الثمرة وتنتفخ، ما يرفع كفاءة استخلاص الزيت داخل المعصرة"، وذلك بدلا من خروج معجون جاف يستبقي الزيت بداخله.وينصح الصيص المزارعين بـ "عدم القطف فور هطول المطر مباشرة، إذ ينبغي الانتظار بضعة أيام حتى تجف الثمار والأوراق، لأن قطاف الثمار المبللة يزيد من صعوبة فصل الزيت ويجعل الثمار المخزنة عرضة للعفن وتغير الحموضة". .
تاريخ النشر: Published On 29/10/202629/10/2026