بين مدينتين تفصل بينهما خطوط النار جنوب غربي اليمن، تتجلى مفارقة معاكسة للمنطق التقليدي للحروب؛ حيث تحولت «التربة»، المدينة الخاضعة للسيطرة العسكرية الكاملة للحوثيين، إلى مساحة من الجمود والمقاطعة غير المعلنة، في حين تعيش تعز، المدينة الأخرى المحاصرة، حياة تقاوم كل الصعوبات.
ويعكس التباين بين مدينتي تعز التي يحاصرها الحوثيون من كل الاتجاهات، والتربة التي خضعت لسيطرة الجماعة منذ نحو شهر، مشهداً معقداً يلخص طبيعة الحرب والمقاومة المجتمعية؛ حيث يتجلى واقع اقتصادي واجتماعي متناقض تماماً بين المدينتين.
ففي مدينة التربة، يسود مشهد من الجمود الاقتصادي والرفض المجتمعي الحاد؛ ويرفض السكان المحليون تطبيع الأوضاع مع سلطة الجماعة، ما أدى إلى حالة مقاطعة شبه كاملة تجلّت في ركود غير مسبوق بالأسواق، وتراجع كبير في الحركة خلال ساعات النهار، والتي تتوقف تماماً خلال الليل، ليسود مكانها صمت مطبق.
وتلخص رحلة أحمد، وهو اسم مستعار لموظف عمومي يتنقل أسبوعياً بين تعز والتربة، هذا التناقض الحاد في المعيشة؛ حيث بات يعيش هاجس الخوف على أمنه الشخصي بمجرد مغادرته تعز، في حين ينهشه القلق الدائم على عائلته المستقرة تحت سلطة الحوثيين في التربة.
مدينة التربة تعيش حالة من الركود بعد نحو شهر من سيطرة الحوثيين عليها (فيسبوك).
ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الوضع يدفعه بجدية للتفكير في خيار نقل عائلته إلى تعز المحاصرة إذا ما طال أمد السيطرة الحوثية، مفضلاً قسوة الحصار المعيشي على العيش تحت وطأة القبضة الأمنية والجدار المجتمعي العازل هناك.
وفي حديثه عن تفاصيل هذا التحول، يروي كيف تبدلت ملامح إجازته الأسبوعية التي كان يقضيها برفقة عائلته وأصدقائه، «فالمنزل يغرق في توتر مستمر، وأطفاله الثلاثة باتوا محرومين من ارتياد مدارسهم، ويواجهون مستقبلاً تعليمياً مجهولاً»، في حين تلاشت الأجواء التي كان يقضيها ليلاً مع أصدقائه، سواء في المنازل أو المقاهي، بتوقف الحركة تماماً مع ساعات المغيب.
في ظل هذه التطورات، جدد مكتب التربية والتعليم في محافظة تعز قراراً سابقاً بتعليق الدراسة في المدارس الحكومية والأهلية بالمديريات التي سيطرت عليها الجماعة الحوثية، محمّلاً مديري إدارات التربية والتعليم ومديري المدارس مسؤولية مخالفة التعليمات، بالتزامن مع دعوة اللجنة التربوية المجتمعية في مديريات الريف أولياء الأمور والإدارات المدرسية إلى الالتزام بالقرار حفاظاً على سلامة الطلاب.
لم تتراجع مظاهر الحياة في مدينة تعز رغم الحصار الحوثي واستهداف الأحياء السكنية (أ.ف.ب).
وحذّرت اللجنة من مخاطر استخدام المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية كمخازن للأسلحة ومقار لتجمع ومبيت عناصر الجماعة، إلى جانب استقطاب الطلاب وتجنيدهم.
تاريخ النشر: نُشر: 10:20-29 أكتوبر 2026 م ـ 18 جمادي الأول 1448 هـ