لم يكن كيليان مبابي يتوقع، على الأرجح، أن تتحول صورة ساخرة تداولها مشجعو كرة القدم إلى أزمة تهدد علاقاته التجارية ومصالحه الاقتصادية في الصين، بعدما تحدث مهاجم ريال مدريد خلال مقابلة مصورة عن إحدى الصور التي يظهر فيها وجهه مركبا على جسد رجل وصفه بأنه "على ما أعتقد، ديكتاتور صيني".
ولم يذكر النجم الفرنسي اسم الرجل، لكن الصورة التي ظهرت في المقطع كانت للزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ.
أثارت كلمات مبابي موجة من الغضب في الصين، دفعت شركات محلية إلى إنهاء شراكاتها التجارية معه، وأعقبها تعليق بث مباريات الدوري الإسباني عبر التلفزيون الرسمي، قبل أن يقدم اللاعب اعتذارا في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ويؤكد احترامه للشعب الصيني وتاريخه.
لكن الاعتذار الذي تبعه اعتذارات وتوضيحات من الدوري الإسباني وريال مدريد لم ينه الجدل، وأعاد إلى الواجهة شخصية لا تزال صورتها تتصدر أشهر ميادين بكين بعد نصف قرن من وفاتها.
فمن هو ماو تسي تونغ الذي أثارت السخرية منه هذه العاصفة؟ وكيف يجتمع في سيرته تأسيس الجمهورية الشعبية واستعادة سيادة البلاد، ونشر التعليم وتوسيع الرعاية الصحية، مع سياسات ارتبطت بمجاعة أودت بحياة عشرات الملايين وحملات قمع سياسي وثورة ثقافية زلزلت أركان ووجدان المجتمع الصيني؟ وما الذي يقوله المؤرخون عن هذا الإرث، ولماذا ظل ماو يحتفظ بمكانته في الرواية الرسمية الصينية ووجدان قطاعات من الشعب رغم اعتراف الحزب الشيوعي نفسه بأخطائه الجسيمة؟
في 26 ديسمبر/كانون الأول 1893، ولد ماو تسي تونغ في قرية شاوشان بمقاطعة هونان، جنوبي الصين، لأسرة تعمل بالزراعة، في بلد كانت تتنازعه الأزمات السياسية والتدخلات الأجنبية، قبل أن تؤدي ثورة عام 1911 إلى الإطاحة بأسرة تشينغ الحاكمة وإنهاء النظام الإمبراطوري الذي استمر قرونا.
وقضى ماو سنوات شبابه متنقلا بين الدراسة والعمل والنشاط السياسي، وتأثر بالأفكار القومية والإصلاحية التي انتشرت بين المثقفين الصينيين، قبل أن يعتنق الماركسية ويشارك في تأسيس الحزب الشيوعي الصيني عام 1921، بعد عامين من اندلاع حركة الرابع من مايو/أيار، التي قادها طلاب ومثقفون احتجاجا على ما عدوه انتقاصا من سيادة بلادهم عقب الحرب العالمية الأولى.
وخلافا للتركيز التقليدي للفكر الماركسي على العمال الصناعيين، رأى ماو في الفلاحين القوة الاجتماعية الأقدر على حمل الثورة في الصين، حيث كانت الغالبية العظمى من السكان تعيش في الأرياف، وتعاني الفقر والتفاوت في ملكية الأراضي.
وتبلورت هذه القناعة خلال الصراع بين الشيوعيين وحزب الكومينتانغ القومي، بعدما تعرضت الحركة الشيوعية لحملات عسكرية دفعتها إلى إقامة قواعدها في المناطق الريفية، قبل أن تخوض قواتها "المسيرة الطويلة" بين عامي 1934 و1935، وهي رحلة انسحاب عسكري شاقة عززت مكانة ماو داخل الحزب.
ومع اندلاع الحرب الصينية اليابانية ثم استئناف الحرب الأهلية بين الشيوعيين والقوميين، تمكن ماو ورفاقه من توسيع نفوذهم العسكري والسياسي، مستفيدين من تنظيم القوات المسلحة وحشد السكان في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
تاريخ النشر: Published On 28/10/202628/10/2026