”كلما تواصلت مع واحد من ربعي ذاب شيء من جليد روحي، وعدت معه إلى المحطة التي ترابعنا فيها ووقفنا على حكايات وأحاديث وحوادث.
ربعات الأمس تضيء عتمة ما في الداخل، ولو أحصيت ربعي في الدروب التي مشيتها لاتهمتُ بالجنون… أقلب ذكريات صافية أليفة، آنس إلى صورها، فأعود بصور كثيرة من ألبوم الطفولة والمراهقة والشباب وأيام الدراسة والجيش والوظيفة، وصولًا إلى مجرّة الغربة التي ساوت تقريبا السنين التي مضت من حياتي“.من هذا السبيل يطوف بنا الشاعر السوري عيسى الشيخ حسن في عالم من الحنين والأنين، متأبطًا التراث الشفهي ومعجمات اللغة قديمها وحديثها.قصص مقترحة list of 2 itemslist 1 of 2شخصية الميرزا في رواية "سلسلة النار"..
من بلاط الصفويين إلى الفرار نحو الدولة العثمانيةlist 2 of 2تتويج 3 روائيين بجائزة "آسيا جبار" في الجزائر..
احتفاء بالسرد بثلاث لغاتend of listوعبر أحاديث متنوعة ضمن سيرة ذاتية واجتماعية، أصدر كتابا جديدا بعنوان (مقاربات..
مصباح الخميس..
أمالي فراتية 1)، وهو من إصدارات دار نرد للنشر والتوزيع، يقع في 200 صفحة من القطع المتوسط، تنكسر على 49 عنوانا فرعيا.بخطّه المميز، كتب الأستاذ عبيدة البنكي عنوان الكتاب، مع صورة معبّرة عن الثراث الفراتي للأستاذ عبود حمام.عاش صاحب الكتاب حياة كثيرين من السوريين، الذين واجهوا محنة التهجير القسري حينا من الدهر، مدفوعين بإكراهات الجوع والخوف، فإذا تناول قلمه الاجتماع الصّباحي على الطعام، تساءل -قبل 24 ديسمبر/كانون الأول 2024- في حدب وغصّة ماذا يأكل السوري على الفطور الآن؟ ربما هذا سؤال مبعثه الفضول، فلا بد أنهم أخذوا معهم إلى الأمصار -الفاتحة أذرعها- فلافلهم وحمّصهم، وعرّفوا بها الثقافات الجديدة.أما سؤال: هل يفطر السوريون؟ فذاك هو السؤال المحرج، السؤال الذي يدمي البلاد التي نشبت في حلقها حرب بنت حرام“.ويعود إلى مسقط رأسه متوسّلًا بالواقع الافتراضي، يقول ”يعيش أهلنا في ماعون جغرافي كبير، بعيدين عن المدن الكبرى وحواضرها وثقافاتها، راضين بشبه استقلالية عن المركز؛ دمشق، حلب، بغداد، إسطنبول.
وقد ظلوا في الهامش، صالحين لتجربة الإيديولوجيات المختلفة المتوالية، وفي الأثناء جرى تأطيرهم في شخصيات تؤكد نظرة المركز نحو الهامش، وبأسماء تخصّهم دون سواهم، وكانت قريتي بصلجة صورة مكثّفة لهذا الهامش".
إعلان يمثّل مصباح الخميس نتاج حوارات تفاعلية أسبوعية عبر منصّة فيسبوك، إذ أرسل نفسه على سجيّتها في التقاط ألفاظ من بيئته المحلّيّة في بصلجة وما جاورها، ثم تتبّع تطوّر بعضها دلاليًا، وعاد إلى معجمات اللّغة تارة بعد أخرى، لا سيما تاج العروس للزَّبيدي، ومعجم الدّوحة التاريخي للغة العربية، جامعًا بذلك بين التراث والمعاصرة في معالجة المفردات اللغوية واستعمالاتها.والعنوان ذاته -بوصفه العتبة النصية الأولى- حمّال أوجه؛ فهو يحيل على الأمالي التّراثية، وفي طليعتها أمالي أبي علي القالي (ت 356هـ)، وإن سبقته أمالي الزّجّاجيّ (ت 340هـ)، ومن بعدهما أمالي ابن الشّجريّ (ت 542هـ)، غير أنّ إطلاق لفظة (الأمالي) تحيل إلى القالي دون غيره، كما أنّ إطلاق كلمة (الكتاب) عند النّحاة تحيل على سيبويه.يطوف عيسى الشيخ حسن بالقارئ في رحاب كلمات مثل خطم، مساررة، معاكمة، العلس، التواعيب، ما كان، وغيرها.وفي عنوان الكتاب الذي نستعرضه، تأتي كلمة (مقاربات)، وهي إشارة ذكية إلى أنّ نتيجة بحث المؤلف في ثنايا الكلمات المحكية ليس قطعيًّا بالضرورة، إنّما هو يسدّد ويقارب، متوسلّا بالمعجمات القديمة والحديثة، وأحيانًا معجم غوغل الملحق بمحرّك البحث، لا سيما في اللغات التركية والكردية والسورانية والكرمنجية، كما فعل في مادّة واج/وهج، وهو يتلمّس الفصيح المقابل لقولهم ”باجر تويج عليك السالفة“.وقد جاءت فكرة الكتاب بعد منشورات على حسابه الشخصي في موقع فيسبوك، ورأى إقبالا وتفاعلا وتشجيعا من رصفائه وأحبائه وتلامذته، فأغراه ذلك بتوثيق هذه المواد، ولم يفته أن يرفد موضوعاته بلمحات تاريخيّة أو شخصيّات مؤثرة، ملمّحًا إلى أثر تشجيع المعلم في الطلاب، وكيف انعكس شيء من ذلك على حياته الخاصة.
يتحدّث عن حسين حمدان العساف الذي عقّب على قصيدته الأولى قائلا ”أتوقّع لهذا الشاب مستقبلًا“.وكان لهذه الكلمات الموجزة في نفس ابن التاسعة عشرة مفعول السّحر، فإن شئت أن تبحث عن أخوات لها وجدت الإمام محمد عبده يثني على طالب قرأ له موضوع إنشاء، ليصبح بعد سنوات من روّاد الأدب والفكر في مصر والعالم العربيّ، ويلقّبه سعد زغلول بـ”الكاتب الجبّار“؛ عبّاس محمود العقّاد.
تجد طرفًا من ذلك أيضًا في سيرة كامل الشناوي، ويوسف جوهر، وعبّاس خضر وآخرين.يقول عيسى الشيخ حسن ”منذ سنوات وأنا أبحث في ثقافة أهلنا، وأزعم أنّني قد تجمّع في طاستي شيء يكفي لأسكبه في وعاء“، وهذه العبارة تحيل في سياق تعالق النصوص أو التناص -بتعبير جوليا كريستيفا- إلى إبراهيم عبد القادر المازني في كتابه قبض الريح، وهو يتحدث عن ثنائية القراءة والكتابة، يقول ”وما أظنّ بي إلا أن الله -جلّت قدرته- قد خلقني على طراز عربات الرش!
تاريخ النشر: Published On 26/10/202626/10/2026